المقالات

الزواج في بيت العائلة.. إشكاليات فقهية

مع الغلاء الذي يعيشه الناس، ويقف حائلا دون أن يتزوج ملايين من الشباب والفتيات، يجد البعض بغيته في أن يتزوج في بيت العائلة، ربما تقل أو تنعدم هذه الظاهرة في البلاد العربية ذات الوفرة الاقتصادية، إلا أنها تمثل وضعًا اجتماعيا ومشكلة رئيسية في عدد من الدول النامية والفقيرة، وليس الفقر وحده هو الدافع لها؛ فربما كانت الأعراف والعوائد الاجتماعية حاكمًا موجبًا على الابن أن يتزوج في بيت أبيه، وإلا كان عاقا لوالديه، خارجًا عن طاعتهما.

بين القبول والرفض

وتختلف الفتيات لقابلية الزواج في بيت العائلة؛ ففتاة المدينة ترفض -غالبا- هذا النمط من الحياة، لما تراه من تهديد خصوصية حياتها، وأن الحياة ليست ملكًا لها، في حين تقبل هذا فتاة الريف وبعض الأحياء الشعبية، والقبول والرفض هنا راجع لطبيعة نشأة كل فتاة وثقافتها وغير ذلك من العوامل الاجتماعية والثقافية.

ولا شك أن حياة الزوجين في بيت العائلة لها إيجابيات وسلبيات؛ فمن تلك الإيجابيات الترابط الأسري، وقيام الجدة والجد بدور في تربية الأبناء فيما يعرف بـ"الأسرة الممتدة"، وهذا التوريث للأخلاق والآداب التي يجب التزامها في المجتمع المسلم من خلال الأجيال القديمة، فيتولد عن النشأة والزواج في بيت العائلة ميراث أخلاقي وسلوكي.

لكن الأمر في ذات الوقت ينشأ عنه سلبيات قد يصل بعضها إلى درجة الحرمة الشرعية، أو الكراهة أحيانا بتقدير أقل. ومن هذه الإشكاليات الشرعية ما يلي:

1- الاختلاط السافر وكشف العورات.

2- الخلوة الشرعية بين الزوجة وأقارب الزوج من غير المحارم.

3- تسلط الوالدين في حياة الزوجين.

الاختلاط السافر

نقرر بدءًا أن مقولة "الاختلاط حرام" بهذا العموم ليست صوابا شرعيا، وذلك أن المستقرئ لكتاب الله، ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم والحياة العملية للصحابة في زمن النبي تقول: إن المجتمع المسلم مجتمع مختلط، فلا هو مجتمع ذكوري، ولا مجتمع إناثي، وهذا التفريق بين الجنسين ليس على إطلاقه، بقدر ما هو مراعاة لطبيعة كل جنس من الجنسين، وإعطاء كل جنس خصوصيته فيما هو خاص، ويبقى العام اشتراكا بلا حرج.

وقد عبّر شيخنا العلامة القرضاوي عن النظرة الوسطية في موضوع الاختلاط فقال: "اللقاء بين الرجال والنساء في ذاته إذن ليس محرمًا بل هو جائز أو مطلوب إذا كان القصـد منه المشاركـة في هدف نبيل، من علـم نافع أو عمل صالح، أو مشروع خير، أو جهاد لازم، أو غير ذلك مما يتطلب جهودًا متضافرة من الجنسين، ويتطلب تعاونًا مشتركًا بينهما في التخطيط والتوجيه والتنفيذ.

ولا يعني ذلك أن تذوب الحدود بينهما، وتنسى القيود الشرعية الضابطة لكل لقاء بين الطرفين، ويزعم قوم أنهم ملائكة مطهرون لا يخشى منهم ولا عليهم، يريدون أن ينقلوا مجتمع الغرب إلينا.. إنما الواجب في ذلك هو الاشتراك في الخير، والتعاون على البر والتقوى، في إطار الحدود التي رسمها الإسلام".

ووضع شيخنا العلامة ضوابط للقاء بين الجنسين، وهي:

1ـ الالتزام بغض البصر من الفريقين.

2ـ الالتزام من جانب المرأة باللباس الشرعي المحتشم.

3ـ الالتزام بأدب المسلمة في كل شيء، وخصوصًا في التعامل مع الرجال، وذلك في المشي والكلام والحركة.

4ـ أن تتجنب كل ما شأنه أن يثير ويغري من الروائح العطرية، وألوان الزينة التي ينبغي أن تكون للبيت لا للطريق ولا للقاء مع الرجال.

5ـ الحذر من أن يختلي الرجل بامرأة وليس معهما محرم، فقد نهت الأحاديث الصحيحة عن ذلك، وقالت: "إن ثالثهما الشيطان"؛ إذ لا يجوز أن يُخَلَّى بين النار والحطب.

6ـ أن يكون اللقاء في حدود ما تفرضه الحاجة، وما يوجبه العمل المشترك دون إسراف أو توسع يخرج المرأة عن فطرتها الأنثوية، أو يعرضها للقيل والقال، أو يعطلها عن واجبها المقدس في رعاية البيت وتربية الأجيال. انتهى ملخصًا.

وليس من باب الاختلاط السافر الطعام معًا، والتواجد بين أفراد العائلة، إذا روعيت مثل هذه الآداب، على أن تذوب الفوارق، فلا بد من التفريق بين المحارم وغير المحارم، وتقوى الله خير زاد حام للمرء من الوقوع فيما حرم الله.

الخلوة المحرمة

ومن أخطر ما ينجم عن الزواج في بيت العائلة ما قد ينجم عنه من الخلوة المحرمة، وهي من الأمور التي يتساهل فيها كثير من الناس، ممن غاب عنهم الحكم الشرعي؛ فربما يفعلها البعض بلا نية سيئة، ولسنا بصدد الحكم عن النوايا، ولكن انضباط الحكم الشرعي واجب على الجميع، ولو كانت النوايا حسنة؛ لأن المرء ملزم بطاعة الله ورسوله، والله أعلم بما يشرع للناس فيما يصلحهم.

وقد جاء النهي الصريح من النبي صلى الله عليه وسلم عن الخلوة ، وخاصة فيما قد يكون في بيت العائلة أو ما يكون بين الزوجة وغير محارمها من أقارب الزوج؛ فقد أخرج مسلم في صحيحه وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والدخول على النساء). فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: (الحمو الموت).

يقول الإمام النووي في شرحه على مسلم تعليقًا على الحديث: "احذروا من الدخول على النساء غير المحارم، ومنع الدخول يستلزم منع الخلوة من باب أولى. (أفرأيت الحمو) أخبرني عن دخول الحمو على المرأة، والمراد بالحمو أقارب الزوج من غير المحارم كالأخ والعم والخال وأبنائهم. (الحمو الموت) لقاؤه الهلاك؛ لأن دخوله أخطر من دخول الأجنبي وأقرب إلى وقوع الجريمة؛ لأن الناس يتساهلون بخلطة الرجل بزوجة أخيه والخلوة بها، فيدخل بدون نكير، فيكون الشر منه أكثر والفتنة به أمكن". انتهى.

قال القرطبي في المفهم: المعنى أن دخول قريب الزوج على امرأة الزوج يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة أي فهو محرم معلوم التحريم. وإنما بالغ في الزجر عنه وشبهه بالموت لتسامح الناس به من جهة الزوج والزوجة لإلفهم بذلك حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة. فخرج هذا مخرج قول العرب الأسد الموت، والحرب الموت، أي لقاؤه يفضي إلى الموت. وكذلك دخوله على المرأة قد يفضي إلى موت الدين أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج أو إلى الرجم إن وقعت الفاحشة. انتهى.

تسلط الوالدين في حياة الزوجين

كثير من الناس يظن أن للوالد أو الوالدة حق التدخل في حياة ولدهما الزوجية، بل يصل الأمر إلى أن الولد (الزوج) لا يمكن أن يتصرف في أي شيء يخصه ويخص زوجته إلا برأي الوالد أو الوالدة، وهو أمر لا يقره الإسلام، إلا إذا كان من باب النصيحة والتشاور، وليس من باب اللزوم الشرعي؛ فالزوجة لها حياتها الخاصة التي لا يشاركها فيها إلا زوجها بناء على منهج الكتاب والسنة. ولهذا فقد قرر الفقهاء أن السكن الخاص للزوجة حق لها حتى تعيش زوجة مع زوجها، أما تعاملها مع الوالدين فهو من باب البر، وليس من باب الوجوب، وإن كنا نؤكد على حسن معاملة الزوجة لوالدي زوجها، لكن السكن معهما ليس واجبا شرعيا.

رؤية حاكمة

وعلى هذا: فالزواج في بيت العائلة يجوز شرعا من حيث الأساس، فليس هناك في أصل المسألة دليل يدل على النهي والتحريم، بل قد يكون الزواج في بيت العائلة حلا لكثير من الشباب الذي ربما إن لم يتزوج في بيت العائلة ظل محروما من الزواج لعدد من السنوات لا يعلمها إلا الله.

ولكن الحكم بأن الزواج في بيت العائلة جائز شرعا، لكنه جواز مشروط، كما أنه قد لا يكون جائزا دائما، ولكن حسب طبيعة المعيشة مع العائلة وما يتبعها من تأثير سلبي أو إيجابي على الحياة الزوجية.

فالزواج في بيت العائلة إن روعيت فيه المحارم، وعرفت فيه الحدود، ولم يكن له تأثير سلبي في أن تباشر المرأة حقها كزوجة، ولم يكن فيه اختلاط محرم، أو اطلاع على العورات، ككشف المرأة عورتها أمام إخوة زوجها، أو أن تكون هناك خلوة بينها وبين بعض إخوة الزوج، ولم يكن هناك تسلط للأبوين أو أحدهما في حياة الزوجين، فإن خلت المعيشة في بيت العائلة من كل هذا فلا بأس بالزواج في بيت العائلة.

وخلو هذه المحرمات ليس بالأمر العسير، فقد عاشت مدن كاملة ولا تزال على هذا النحو، خاصة في الأسر المتدينة التي تمتلك ثقافة شرعية واسعة، تعرف من خلالها حدود الحلال والحرام.

ولكن هناك بيئات أخرى كان السكن في بيت العائلة وبالا على العائلة كلها، بل أضحى سببا مباشرا لانتهاك حرمات الله تعالى وتعدي حدوده، فكثرت فيها الخلوة المحرمة وما يتبعها من ارتباك المحرمات، وظهرت فيها العورات، واختلط فيها الحابل بالنابل، بل وصلت في بعض البيوت القليلة النادرة إلى ارتكاب الفاحشة التي توجب حد الله تعالى فيمن أتاها.

وعلى هذا التوصيف للواقع لا يمكن أن نحكم بالحرمة المطلقة ولا الجواز المطلق، وإن كان الجواز هو الأصل في المسألة، فإن كان الإنسان المقدم على الزواج يعرف أن أهله عندهم معرفة بشرع الله تعالى، وأن الحدود بين المعيشة معهم وبين الحياة الخاصة لكل زوجين واضحة، ولم يكن عنده القدرة المالية على توفير سكن خاص بزوجته بعيدا عن بيت العائلة، فيجوز له الزواج في بيت العائلة، ويكون السكن حلا للمشكلة الاقتصادية، ودرءا لمفسدة انتشار الفساد بين الشباب.

ومن كان عنده شك ويغلب على ظنه أن الزواج في بيت العائلة قد يترتب عليه بعض المحرمات، ومن الصعب علاجها لطبيعة أهله الذين ربما لا يضعون في حساباتهم الالتزام بقواعد الشرع وأوامره؛ فهذا يحرم عليه الزواج في بيت العائلة، وعليه أن يستعفف أو أن يبحث عن بديل أفضل.

ومن كان من الشباب من عنده القدرة على شراء أو استئجار سكن خاص بزوجته، ولكنه يغلب على ظنه أن المعيشة في بيت العائلة لن تؤثر في حياته الزوجية سلبًا، ولن يكون فيها خروج عن حدود الله؛ فهذا يكره له الزواج في بيت العائلة، والأفضل له أن يتزوج في سكن خاص؛ لأن السكن الخاص حق خالص للزوجة تستطيع أن تعيش حياتها الزوجية بشيء من الاستقلال، مما قد يكون له أثر كبير في السعادة الزوجية بينها وبين زوجها، ومما يضفي على البيت الراحة والسكينة، وربما كان البعد عن الأهل أدعى لصلة الرحم وإسداء الجميل إليهم، ومساعدتهم عند الحاجة بدلا من أن تحدث ما لا يحمد عقباه، فيترتب عليه قطع الرحم، وكما يقول الفقهاء: للوسائل حكم المقاصد والغايات، ويجب علينا اعتبار فقه المآلات، فقد لا نجد فقيهًا واحدًا يقول بحرمة الزواج في بيت العائلة من حيث الأصل، ولكن يجب أن ننتبه إلى ما قد يترتب على الزواج في بيت الزوجية من مصالح ومفاسد، وكل حالات الزواج في بيت العائلة ليست واحدة.


المصدر: وسطية أون لاين ** باحث بالمركز العالمي للوسطية

كن على اتصال معنا